سيد قطب
704
في ظلال القرآن
طاعته . ويقرر أن هذا القرآن كله من عنده ؛ ويدعوهم إلى تدبر الوحدة الكاملة فيه ، الدالة على وحدة مصدره : « مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ » . . « أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ؟ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » . « ح » ثم نراه - بعد أن يصف حال المرجفين بالأنباء - يوجههم إلى الطريق الأسلم ، المتفق مع قاعدة التنظيم القيادي للجماعة : « وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ » . . « ط » ويحذرهم من عاقبة هذا الطريق ، وهو يذكرهم فضل اللّه عليهم في هدايتهم : « وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا » . . ونستطيع أن ندرك مدى الخلخلة التي كانت تنشئها هذه الظواهر في الجماعة المسلمة ؛ والتي كانت تحتاج إلى مثل هذا الجهد الموصول ، المنوع الأساليب . . حين نسمع اللّه - سبحانه - يأمر نبيه - صلى اللّه عليه وسلّم - بأن يجاهد - ولو كان وحيدا - وأن يحرض المؤمنين على القتال . فيكون مسؤولا عن نفسه فحسب : واللّه يتولى المعركة : « فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ - وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا » . . وفي هذا الأسلوب ما فيه من استجاشة القلوب ، واستثارة الهمم ؛ بقدر ما فيه من استجاشة الأمل في النصر ، والثقة ببأس اللّه وقوته . . لقد كان القرآن يخوض المعركة بالجماعة المسلمة في ميادين كثيرة . وكان أولها ميدان النفس ضد الهواجس والوساوس وسوء التصور ورواسب الجاهلية ، والضعف البشري - حتى ولو لم يكن صادرا عن نفاق أو انحراف - وكان يسوسها بمنهجه الرباني لتصل إلى مرتبة القوة ، ثم إلى مرتبة التناسق في الصف المسلم . وهذه غاية أبعد وأطول أمدا . فالجماعة حين يوجد فيها الأقوياء كل القوة ، لا يغنيها هذا ، إذا وجدت اللبنات المخلخلة في الصف بكثرة . . ولا بد من التناسق مع اختلاف المستويات . . وهي تواجه المعارك الكبيرة . والآن نأخذ في مواجهة النصوص مواجهة تفصيلية : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ . فَانْفِرُوا ثُباتٍ ، أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً . وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ . فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ : قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ ، إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً . وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ - كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ - يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ ، فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً » . . إنها الوصية للذين آمنوا : الوصية من القيادة العليا ، التي ترسم لهم المنهج ، وتبين لهم الطريق . وإن الإنسان ليعجب ، وهو يراجع القرآن الكريم ؛ فيجد هذا الكتاب يرسم للمسلمين - بصفة عامة طبعا - الخطة العامة للمعركة وهي ما يعرف باسم « استراتيجية المعركة » . ففي الآية الأخرى يقول للذين آمنوا : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ، وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً » . فيرسم الخطة العامة للحركة الإسلامية . وفي هذه الآية يقول للذين آمنوا : « خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً » وهي تبين ناحية من الخطة التنفيذية أو ما يسمى « التاكتيك » . وفي سورة الأنفال جوانب كذلك في الآيات : « فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . . . الآيات » . وهكذا نجد هذا الكتاب لا يعلم المسلمين العبادات والشعائر فحسب ؛ ولا يعلمهم الآداب والأخلاق فحسب - كما يتصور الناس الدين ذلك التصور المسكين ! إنما هو يأخذ حياتهم كلها جملة . ويعرض لكل ما تتعرض له حياة الناس من ملابسات واقعية . . ومن ثم يطلب - بحق - الوصاية التامة على الحياة البشرية ؛